سيد محمد طنطاوي

272

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والنكال : مصدر بمعنى التنكيل ، وهو العقاب الذي يجعل من رآه في حالة تمتعه وتصرفه عما يؤدى إليه ، يقال : نكّل فلان بفلان ، إذا أوقع به عقوبة شديدة تجعله نكالا وعبرة لغيره . وهو منصوب على أنه مصدر مؤكد لقوله * ( فَأَخَذَه ) * ، لأن معناه نكل به ، والتعبير بالأخذ للإشعار بأن هذه العقوبة كانت محيطة بالمأخوذ بحيث لا يستطيع التفلت منها . والمراد بالآخرة : الدار الآخرة ، والمراد بالأولى : الحياة الدنيا . أي : أن فرعون عندما تمادى في تكذيبه وعصيانه وطغيانه . . . كانت نتيجة ذلك أن أخذه اللَّه - تعالى - أخذ عزيز مقتدر ، بأن أنزل به في الآخرة أشد أنواع الإحراق ، وأنزل به في الدنيا أفظع ألوان الإغراق . وقدم - سبحانه - عذاب الآخرة على الأولى ، لأنه أشد وأبقى . ومنهم من يرى أن المراد بالآخرة قوله لقومه : * ( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى ) * ، وأن المراد بالأولى تكذيبه لموسى - عليه السلام - أي ، فعاقبه اللَّه - تعالى - على هاتين المعصيتين وهذا العقاب الأليم ، بأن أغرقه ومن معه جميعا . . . ويبدو لنا أن التفسير الأول هو الأقرب إلى ما تفيده الآية الكريمة ، إذ من المعروف أن الآخرة ، هي ما تقابل الأولى وهي دار الدنيا ، ولذا قال الإمام ابن كثير : قوله - تعالى - : * ( فَأَخَذَه اللَّه نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ) * أي : انتقم اللَّه منه انتقاما جعله به عبرة ونكالا لأمثاله من المتمردين في الدنيا . ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ، كما قال - تعالى - : وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ويَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ . هذا هو الصحيح في معنى الآية ، أن المراد بقوله : * ( نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى ) * أي : الدنيا والآخرة . وقيل المراد بذلك كلمتاه الأولى والثانية . وقيل : كفره وعصيانه ، والصحيح الذي لا شك فيه الأول . . . « 1 » . والإشارة في قوله - تعالى - : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ) * ، تعود إلى حديث موسى الذي دار بينه وبين فرعون ، وما ترتب عليه من نجاة لموسى ومن إهلاك لفرعون . أي : إن في ذلك الذي ذكرناه عما دار بين موسى وفرعون ، لعبرة وعظة ، لمن يخشى اللَّه - تعالى - ، ويقف عند حدوده ، لا لغيره ممن لا يتوبون ولا يتذكرون ولا تخالط أنفسهم خشية اللَّه - تعالى - . والمقصود من هذه القصة كلها ، تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، وتهديد المشركين بأنهم إذا ما استمروا في طغيانهم ، كانت عاقبتهم كعاقبة فرعون .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 338 .